حبيب الله الهاشمي الخوئي

337

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أوّلها العلم ، لأنه المبدأ الأوّل لجميع الأفعال الاختياريّة ، فانّ الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلَّا بعد القصد والإرادة ، ولا يصدر عنه القصد والإرادة إلَّا بعد تصوّر ما يدعوه إلى ذلك الميل وتلك الإرادة والتّصديق به تصديقا جازما أو ظنا راجحا ، فالعلم مبدء مبادى الأفعال الاختياريّة ، واعلم أنّ المراد بهذا العلم المقدّم على المشيّة والإرادة وما بعدهما بحسب الاعتبار أو التحقّق هو العلم الأزلىّ الذاتي الالهيّ أو القضائي المحفوظ عن التغيّر ، فينبعث منه ما بعده وأشار إليه بقوله : علم ، أي علم دائما عن غير زوال وتبدّل . وثانيها المشيّة ، والمراد بها مطلق الإرادة سواء بلغت حدّ العزم والاجماع أم لا ، وقد ينفكّ المشيّة فينا عن الإرادة الجازمة كما نشتاق أو نشتهي شيئا ولا نعزم على فعله لمانع عقليّ أو شرعيّ وإليها أشار بقوله : وشاء وثالثها الإرادة ، وهي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره وتصوّر غاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذّة ، لكنّ الله برئ عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته وإليها الإشارة بقوله : أراد . ورابعها التقدير ، فانّ الفاعل لفعل جزئيّ من أفعال طبيعة واحدة مشتركة إذا عزم على تكوينه في الخارج كما إذا عزم الانسان على بناء بيت فلا بدّ قبل الشروع أن يعيّن مكانه الذي يبنى عليه ، وزمانه الذي يشرع فيه ، ومقداره الذي يكوّنه عليه من كبر أو صغر أو طول أو عرض ، وشكله ووصفه ولونه وغير ذلك من صفاته وأحواله ، وهذه كلَّها داخلة في التقدير . وخامسها القضاء ، والمراد هنا ايجاب الفعل واقتضاء الفعل من القوّة الفاعلة المباشرة ، فانّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهذه القوّة الموجبة بوقوع الفعل منّا هي القوّة التي تقوم في العضلة والعصب من العضو الذي توقع القوّة الفاعلة فيها قبضا وتشنّجا أو بسطا وإرخاء أوّلا فيتبعه حركة العضو فتتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما ، والفرق بين هذا الايجاب وبين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرّك وبين حركته ، وقد ينفكّ الميل كما تحسّ